محمد بن أحمد النهرواني
52
كتاب الإعلام بأعلام بيت الله الحرام
وتلا قوله تعالى : وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ « 1 » . ولقد اختار حبر الأمة ؛ سيدنا عبد اللّه بن عباس ( رضى اللّه تعالى عنهما ) المقام بالطائف وما حوله على مكة ، وقال : لأن أذنب سبعين ذنبا بغير مكة أحب إلىّ من أن أذنب ذنبا واحدا بمكة . وذهب بعض العلماء إلى القول بتضاعف السيئات بأرض الحرم كما تضاعف الحسنات . وجاور أبو محمد الجوهري سنة بمكة فلم يستند إلى حائط ، ولم ينم ، فقيل له : بم قدرت على هذا ؟ فقال : علم اللّه صدق باطني ، وأعانني على ظاهري . وبقي أبو عمرو الزجاجي الصوفي أربعين سنة مجاورا بمكة لم يقض حاجته البشرية في الحرم ، بل كان يخرج إلى الحل عند قضاء الحاجة . وهكذا يروى عن الإمام أبي حنيفة ( رضى اللّه عنه ) في مدة إقامته بمكة ، وكان أصحاب رسول اللّه ( صلى اللّه عليه وسلم ) يحجون ثم يرجعون ، ويعتمرون ثم يرجعون ، ولا يجاورون ؛ ذكره عبد الرزاق في مصنفه . وروى عن وهب بن الوردي المكي ( رحمه اللّه تعالى ) قال : كنت ذات ليلة أصلى في الحجر ، فسمعت كلاما بين الكعبة والأستار خفيا ، فاستمعت ، فإذا هي تناجى وتقول : إلى اللّه أشكو ثم إليك يا جبريل ممن حولى ؛ من سمرهم وتفكههم باللغو وذكر أحوال الدنيا والاغتياب والخوض فيما لا ينبغي لهم ، واللهو ، والغيبة ، لئن لم ينتهوا عن ذلك لأنتقض انتقاضة يرجع كل حجر منى إلى الجبل الذي قطع منه . وسئل الإمام مالك ( رضى اللّه تعالى عنه ) عن الحج والجوار أحب إليه « 2 » أو الرجوع . فقال : ما كان الناس إلا على الحج والركوع ، وفيهم ابن زيد ، من هذا اقتضى كراهية المجاورة عنده .
--> ( 1 ) الآية رقم 25 من سورة الحج ، مدنية . ( 2 ) في ( س ) : إليك .